الغزالي
51
إحياء علوم الدين
المجردة دون النظر ودون الطمع في أمر آخر سواه ، وكان يتنعم بإظهار حبه عليه وذكره بلسانه بمسح منه ، وإن كان ذلك أيضا معلوما عنده فان قلت إنه ينتظر جوابه ، فليتلذذ بسماع جوابه ، وليس يسمع كلام الله تعالى فاعلم أنه كان يعلم أنه لا يجيبه ويسكت عنه فقد بقيت له أيضا لذة في عرض أحواله عليه ، ورفع سريرته إليه كيف والموقن يسمع من الله تعالى كل ما يرد على خاطره في أثناء مناجاته ، فيتلذذ به ، وكذا الذي يخلو بالملك ويعرض عليه حاجاته في جنح الليل يتلذذ به في رجاء إنعامه ، والرجاء في حق الله تعالى أصدق ، وما عند الله خير وأبقى وأنفع مما عند غيره فكيف لا يتلذذ بعرض الحاجات عليه في الخلوات وأما النقل : فيشهد له أحوال قوام الليل في تلذذهم بقيام الليل ، واستقصارهم له كما يستقصر المحب ليلة وصال الحبيب ، حتى قيل لبعضهم : كيف أنت والليل ؟ قال ما راعيته قط ، يريني وجهه ثم ينصرف ، وما تأملته بعد ، وقال آخر : أنا والليل فرسا رهان ، مرة يسبقني إلى الفجر ، ومرة يقطعنى عن الفكر ، وقيل لبعضهم كيف الليل عليك ، فقال ساعة أنا فيها بين حالتين أفرح بظلمته إذا جاء ، وأغتم بفجره إذا طلع ، ما تم فرحي به قط ، وقال علي بن بكار : منذ أربعين سنة ما أحزننى شيء سوى طلوع الفجر ، وقال الفضيل بن عياض : إذا غربت الشمس فرحت بالظلام ، لخلوتي بربي وإذا طلعت حزنت لدخول الناس على ، وقال أبو سليمان : أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم ، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا ، وقال أيضا لو عوض الله أهل الليل من ثواب أعمالهم ما يجدونه من اللذة لكان ذلك أكثر من ثواب أعمالهم ، وقال بعض العلماء : ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة ، وقال بعضهم : لذة المناجاة ليست من الدنيا ، إنما هي من الجنة ، أظهرها الله تعالى لأوليائه لا يجدها سواهم ، وقال ابن المنكدر : ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث : قيام الليل ، ولقاء الإخوان ، والصلاة في الجماعة ، وقال بعض العارفين : إن الله تعالى ينظر بالأسحار إلى قلوب المتيقظين فيملؤها أنوارا ، فترد الفوائد على قلوبهم فتستنير ثم تنتشر من قلوبهم العوافي إلى قلوب الغافلين ، وقال بعض العلماء من القدماء : إن الله تعالى أوحى إلى بعض الصديقين : ان لي عبادا من عبادي أحبهم ويحبونني ، ويشتاقون إلىّ أشتاق إليهم ، ويذكرونني وأذكرهم ، وينظرون إلىّ وأنظر إليهم : فان حذوت طريقهم أحببتك